المقريزي

315

إمتاع الأسماع

[ القراءات المشهورة ] وأما القراءات المشهورة ، فإنها أربع قراءات غير هذه القراءات السبعة ، منسوبة لثلاثة من الأئمة وهم : أبو جعفر ، وابن محيصن ، ويعقوب ، وخلف . وقد اختلف في قراءة أبي جعفر وابن محيصن ويعقوب وخلف وشبههم ، هل هي من الشواذ أم من المتواتر أم قسم ثالث ؟ فذهب أبو عمر بن أبي بكر بن يونس بن الحاجب ، والشيح محيي الدين أبو زكريا يحيي بن شرف بن مري النووي ، وأبو عمرو عثمان ابن عبد الرحمن بن عثمان بن الصلاح ، وغيرهم إلى تحريم القراءة بالشواذ ، وهي عندهم ما عدا القراءات السبع . وهذه مسألة تكلم فيها أهل الكلام والفقهاء ، فتكلم أهل الكلام فيها من جهة كونها قرآنا ، وأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، وتكلم فيها الفقهاء من جهة أنه إن كان قرآنا صحت به الصلاة وتعليق الإيمان وغير ذلك ، وإلا فلا . ولقائل أن يقول : لا ريب أن أبا جعفر يزيد بن القعقاع أحد العشرة ، وشيخ نافع ، كان من سادات التابعين ، وأخذ قراءته عن ابن عباس وأبي هريرة ، وصلى بعبد الله بن عمر رضي الله عنه ، ولم يكن من هو بهذه المثابة ليقرأ كتاب الله تعالى بشئ محرم قراءته ، وكيف وقد تلقن القرآن بمدينة الرسول الله صلى الله عليه وسلم غضا رطبا ، قبل أن تطول الأسانيد ، ويدخل فيها النقلة غير الضابطين ، هذا ، وهم عرب آمنون من اللحن . ولم تزل قراءة الأئمة متداولة في أمصار الإسلام ، حتى اختار أبو بكر بن مجاهد هؤلاء السبعة وسماهم ، فغلب الكسل ، وقصرت الهمم على بعض الناس ، وأراد الله تعالى نقص العلم ، فاقتصروا على السبعة ، ثم اقتصروا من السبعة في هذه البلاد على السبعة المعينة ، ثم اقتصروا من السبعة المعينة على الطريقة المشهورة اليوم التي ذكرناها . وقد كان شيخ شيوخنا العلامة [ جمال ] ( 1 ) الدين أبو حيان رحمه الله يقول : دخلت هذا البلد - يعني مصر - وغالب من فيها يظن أن السبعة ما في الشاطبية ( 2 ) فقط ، حتى أخبرته بما صنف الناس في السبعة ، وأن في كتبهم أشياء تخالف ما في الشاطبية فرجع عن ذلك .

--> ( 1 ) ما بين الحاصرتين مطموسة في ( خ ) ، وأثبتناها من ( المقفى الكبير ) : 7 / 426 ، ترجمة رقم ( 3630 ) . ( 2 ) هي المنظومة التي سبق الإشارة إليها نسبة إلى الإمام الشاطبي المعروفة باسم ( حرز الأماني ووجه التهاني ) وقد سبق أن أشرنا إليها تفصيلا .